سيد محمد طنطاوي

326

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقال بعض العلماء : قوله * ( مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ ) * أي : من ورثة الميت الذين استحق من بينهم الأوليان أي : الأقربان إلى الميت ، الوارثان له . الأحقان بالشهادة ، أي : اليمين . فقوله * ( الأَوْلَيانِ ) * فاعل * ( اسْتَحَقَّ ) * . ومفعول * ( اسْتَحَقَّ ) * محذوف ، قدره بعضهم « وصيتهما » وقدره ابن عطية « ما لهم وتركتهم » وقدره الزمخشري . أن يجردوهما للقيام بالشهادة لأنها حقهما ويظهروا بهما كذب الكاذبين . وقرئ * ( اسْتَحَقَّ ) * على البناء للمفعول . أي من الذين استحق عليهم الإثم أي « جنى عليهم » ، وهم أهل الميت وعشريته . وعليه فقوله : * ( الأَوْلَيانِ ) * هو بدل من الضمير في * ( يَقُومانِ ) * أو من * ( فَآخَرانِ ) * « 1 » . وقوله : * ( فَيُقْسِمانِ بِاللَّه لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما ومَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) * بيان لكيفية اليمين التي يحلفها هذان الأوليان . أي : فيحلف باللَّه هذان الأوليان - أي الأقربان إلى الميت - قائلين * ( لَشَهادَتُنا ) * أي : ليميننا * ( أَحَقُّ ) * بالقبول * ( مِنْ شَهادَتِهِما ) * أي : من يمينهما * ( ومَا اعْتَدَيْنا ) * أي : وما تجاوزنا الحق في يميننا وفيما نسبناه إليهما من خيانة * ( إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) * أي إنا إذا اعتدينا وقلنا فيهما خلاف الحق لنكونن في زمرة الظالمين لأنفسهم المستحقين لسخط اللَّه وعقابه . قال الآلوسي : وقوله * ( فَيُقْسِمانِ بِاللَّه ) * معطوف على * ( يَقُومانِ ) * في قوله : * ( فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما ) * والسببية ظاهرة وقوله : * ( لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما ) * جواب القسم . والمراد بالشهادة هنا - عند الكثيرين - اليمين كما في قوله - تعالى - فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّه . وصيغة التفضيل * ( أَحَقُّ ) * إنما هي لإمكان قبول يمينهما في الجملة باعتبار صدقهما في ادعاء تملكهما لما ظهر في أيديهما » « 2 » . ثم بين - سبحانه - وجه الحكمة والمصلحة فيما شرعه مما تقدم تفصيله فقال * ( ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ ) * . فاسم الإشارة * ( ذلِكَ ) * يعود إلى ما شرعه اللَّه من أحكام تتعلق بالوصية التي تكون في السفر ويموت صاحبها . أي : ذلك الحكم المذكور * ( أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها ) * أي : أقرب إلى أن يؤدى

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 7 ص 51 - بتصريف وتلخيص ( 2 ) تفسير القاسمي ج 6 ص 66